الخطيب الشربيني
615
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 30 إلى 38 ] إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 30 ) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ( 32 ) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 ) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 ) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 ) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 ) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 ) . ولما ذكر تعالى الوعيد أردفه بذكر الوعد كما هو الغالب فقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا أي : قولا حقيقيا مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقا لداعي الله تعالى في الدنيا رَبُّنَا أي : المحسن إلينا اللَّهُ أي : المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له ، وثم في قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَقامُوا لتراخي الرتبة في الفضيلة فإن الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمر في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام . سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة فقال : أن لا تشرك بالله شيئا ، وقال عمر رضي الله عنه ، الاستقامة : أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب . وقال عثمان رضي الله عنه : أخلصوا العمل لله ، وقال علي رضي الله عنه : أدوا الفرائض ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : استقاموا على أمر الله تعالى بطاعته واجتنبوا معصيته ، وقال مجاهد وعكرمة : استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله ، وقال قتادة : كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال : اللهم ربنا ارزقنا الاستقامة ، وقال سفيان بن عبد الله الثقفي : قلت : يا رسول الله أخبرني بأمر أعتصم به قال : « قل ربي الله ثم استقم فقلت : ما أخوف ما تخاف علي ، فأخذ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بلسان نفسه فقال : هذا » « 1 » . قال أبو حيان : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قال ابن عباس : عند الموت وقال قتادة : إذا قاموا من قبورهم ، وقال وكيع بن الجراح : البشرى : تكون في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث وهي أَلَّا تَخافُوا قال مجاهد : لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمر الآخرة وَلا تَحْزَنُوا على ما خلفتم من أهل وولد فإنا نخلفكم في ذلك كله ، وقال عطاء بن أبي رباح : لا تخافوا من ذنوبكم ولا تحزنوا فإني أغفرها لكم ، والخوف غم يلحق لتوقع المكروه ، والحزن يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضار ، والمعنى أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل غم فلن تذوقوه أبدا . تنبيه : يجوز في أن : أن تكون المخففة أو المفسرة أو الناصبة ، ولا ناهية على الوجهين الأولين ، ونافية على الثالث وَأَبْشِرُوا أي : املؤوا صدوركم سرورا يظهر أثره على بشرتكم بتهلل
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الزهد حديث 2410 ، وابن ماجة في الفتن حديث 3972 ، وأحمد في المسند 3 / 413 ، والحاكم في المستدرك 4 / 313 .